عبد الله بن أحمد النسفي

150

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 179 إلى 181 ] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) أخذ الدّية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة . 179 - وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام فصيح لما فيه من الغرابة إذ القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل ظرفا للحياة ، وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بيّنة لأنّ المعنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا ، فكان القصاص حياة وأيّ حياة ، أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص « 1 » من القاتل لأنّه إذا همّ بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل ، وهو من القود ، فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل حذرا من القصاص . 180 - كُتِبَ فرض عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي إذا دنا منه فظهرت أماراته « 2 » إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا كثيرا ، لما روي عن علي رضي اللّه عنه أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه وقال : قال اللّه تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْراً والخير هو المال « 3 » وليس لك مال . وفاعل كتب الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وكانت الوصية للوارث في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث - كما بيناه في شرح المنار - وقيل : وهي « 4 » غير منسوخة لأنّها نزلت في حقّ من ليس بوارث بسبب الكفر لأنّهم كانوا حديث « 5 » عهد بالإسلام يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقرابته « 6 » ، والإسلام قطع الإرث فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء لحقّ القرابة ندبا ، وعلى هذا لا يراد بكتب فرض بِالْمَعْرُوفِ بالعدل وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث حَقًّا مصدر مؤكد ، أي حقّ ذلك حقا عَلَى الْمُتَّقِينَ على الذين يتقون الشّرك . 181 - فَمَنْ بَدَّلَهُ فمن غيّر الإيصاء عن وجهه إن كان موافقا للشرع من الأوصياء والشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي الإيصاء فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فما إثم

--> ( 1 ) في ( ز ) بالقصاص . ( 2 ) في ( ز ) إمارته . ( 3 ) زاد في ( ز ) الكثير . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) هي . ( 5 ) في ( ز ) حديثي . ( 6 ) في ( ز ) قرائبه .